الرئيسية / فن وثقافة / “مصدرها الشعب والعرف وأفكار المصلحين دساتير فرنسا.. عقد اجتماعي يتسم بالمرونة”

“مصدرها الشعب والعرف وأفكار المصلحين دساتير فرنسا.. عقد اجتماعي يتسم بالمرونة”

تعني كلمة “دستور” عند تطبيقها على أمة معينة، مجموع أنظمتها السياسية، ويقال عن الدستور أنه “عرفي” إذا كان مستمدا من التقاليد، و”مكتوب” إذا كان مدونا في نصوص، ويوصف الدستور المكتوب بأنه “مرن” إذا كان من وضع المشرع العادي الذي يستطيع تعديله كما يعدل أي قانون آخر، وعلى عكس ذلك يسمى الدستور “جامدا” إذا كان من وضع هيئة خاصة تسمى “سلطة مؤسسة” وفي هذه الحالة لا يكفي مجرد قانون عادي لتعديله، وإنما يجب اتخاذ إجراءات خاصة تتفاوت في مدى تعقيدها، وهو ما يعالجه كتاب “دساتير فرنسا” الصادر في طبعة جديدة عن “مكتبة الآداب” لموريس دوفرجيه، الذي يؤكد مدى تقديس الفرنسيين للدستور المكتوب وإن أدى إلى إهمال الدساتير العرفية، ذلك أن الدستور لديهم عبارة عن نص، يتعلقون بمحتواه المسطور أكثر من تعلقهم بإطاره الذي يضمه ويحتويه، ولذا فإن تاريخهم الدستوري يبدأ عام 1789م لعدم وجود نص مكتوب في صيغة قانونية صحيحة قبل هذا التاريخ.

يلفت الكتاب إلى أن الدساتير المكتوبة غالبا ما تكون وليدة أفكار بعض المصلحين النظريين، وإن كانت لا تستجيب للحاجات الحقيقية للبلد الذي يراد وضع دستور له، وعلى حد تعبير “نابليون” – وضع دساتير السنوات الثامنة والعاشرة والثانية عشرة والوثيقة الإضافية عام 1815م، وكان ملهما لعدد كبير من الدساتير الأجنبية- فإن “أفضل الدساتير ما كان من صنع الزمن”، ومن ناحية أخرى فليس هناك على الإطلاق نظام سياسي نهائي يمكن تحديده إلى الأبد في نص رسمي، فالنظام الذي كان بالأمس رائعا يصير اليوم معيبا غير مُرضٍ، وفي الغد بغيضا ممقوتا، وقد عرفت فرنسا فترتين من الاستقرار السياسي، الأولى طويلة الأمد (العهد السابق على الثورة)، والثانية وهي أقصر أمدا (عهد الجمهورية الثالثة)، وتتميز الأولى بدستور عرفي كلية تطور في مرونة تامة، والثانية بدستور مكتوب مقتضب يفسح مجالا كبيرا لنظم مصدرها العرف، تتعارض صراحة بقدر يتفاوت مع نصوص هذا الدستور، ويفصل بين هذين العهدين فترة من الثورات العديدة، تتعاقب فيها النظم كل بضع سنوات، دون أن يتمكن أحدها من ترسيخ قدميه، ويقوم أغلبها على دساتير مكتوبة، لا تترك سوى حيز ضيق للتطور العرفي، وتتسم بطابع مصطنع، ساهم في عدم الاستقرار السياسي في الفترة من 1789- 1870م .

ويرى المؤلف أن من يكتفي بقراءة الدستور المكتوب لنظام سياسي معين تتكون لديه فكرة زائفة عنه، كما يقطع بأن القول بالاستقرار ليس معناه الجمود وعدم التغيير، وأن الفكرة الشكلية للدستور لم تكن غريبة كل الغرابة على مفاهيم الملكية الفرنسية القديمة، فتحْتَ اسم “القوانين الأساسية” تكونت وتحددت في بطء وعلى مر العصور نظرية حقيقية للدساتير الجامدة، وإجمالا فإن جميع السلطات كانت في يد الملك، حتى أنه في عام 1516م برز تقليد مؤداه أن الملك لا يخشى شيئا من جانب رجال الإكليروس الذين يتولى تعيينهم، ولم تكن نظرية العقد الاجتماعي تتعارض مع نظرية القوانين الأساسية، ولم يبتكر “روسو” تسمية العقد الاجتماعي ولا فكرته، ولكن إلباسها ثوبا جديدا اجتذب الجماهير في القرن الثامن عشر، بينما ترجع النظرية إلى جروشيوس وفاتيل وبوفندورف، وربما أمكن نسبتها إلى سان توما الأكويني، ومناداته بأن السيادة مصدرها الشعب في الأصل، واعتبر الدستور مجرد تجديد للعقد الاجتماعي وأنه يسمو على جميع السلطات العامة التي تستمد سلطانها منه، وفي الفترة من 1789- 1875م شهدت فرنسا قيام ثلاثة عشر دستورا مكتوبا، وتوالى عليها في أقل من ثمانين عاما أكثر من خمسة عشر نظاما سياسيا مختلفا ومتعارضا، ومرت بأربع ثورات وانقلابين وثلاثة تدخلات أجنبية، ومن ثم عدم استقرار دستوري، على إثر إلغاء الدستور التقليدي السائد لأكثر من عشرة قرون، وقيدت الحقبة الثورية الأولى الملكية، وأرست قواعد فلسفية جديدة، وإعلان حقوق الإنسان المشهور، وجاء دستور 3 سبتمبر 1791 بعد مناقشة دامت أكثر من عامين، وفي عهد الجمهورية الأولى تم وضع دستور 24 يونيو 1793 وتأثر بتقلبات الصراع الحزبي، وبعد سقوط روبسبير جاء دستور 5 فريكتيدور من العام الثالث وفق تقويم فرنسا الجديد ويوافقه 322 أغسطس 1795 وهو دستور سلبي ذو طابع صوري، وفي 13 ديسمبر 1799 حل محله دستور جديد في ظل الفزع من الفوضى، وارتمى الشعب في حضن نابليون، ولما بلغت شعبيته ذروتها جاء دستور 4 أغسطس 1802 ليصير بونابرت قنصلا مدى الحياة، ووُضع دستور 18 مايو 1804 لتعزيز سلطات بونابرت ونودي به إمبراطورا، وفي الحقبة الثورية الثانية “1814- 1870م” تم تدشين دستور مجلس الشيوخ في 16 إبريل 1814 وجاء العهد الإضافي لدساتير الإمبراطورية 22 إبريل 1815 بموافقة ضعيفة وقام الشعب بثورته لإلغاء الملكية 1830 وتم إقرار عهد دستوري في 14 أغسطس 1830، وفي 4 نوفمبر 1848 تم وضع دستور يستلهم مبادئ الثورة الأولى، والتأكيد على سيادة الأمة، وبانحلال الإمبراطورية صدر مرسوم في 14 يناير 1852 يدعو لتفويض لويس نابليون بونابرت سلطة وضع دستور جديد، يقوم على أسس خمسة: “رئيس للجمهورية ينتخب لمدة عشر سنوات، تختار السلطة التنفيذية الوزراء، مجلس دولة لتحضير القوانين، هيئة تشريعية تنتخب على أساس الاقتراع العام، مجلس شيوخ ذو نزعة محافظة”، وبقيام الجمهورية الثالثة” 1870- 1940م” دام دستور 1875 بفضل نضوج الأمة سياسيا والأخذ بالعرف الدستوري، وفي حقبة الجمهورية الرابعة”1940-1958″ جاء دستور 1946 ليدعم سيادة البرلمان، وتميز بإصلاحاته الانتخابية والدستورية، وشهد 3 يونيو 1958 صدور قانون دستوري جديد في ظل الجمهورية الخامسة وإعداد دستور 4 أكتوبر 1958، وهو الدستور الحالي للبلاد ويعتمد على فصل الدين عن الدولة والتمسك بحقوق الإنسان ومبادئ السيادة الوطنية، ومبدأ حرية الشعوب في تقرير مصيرها.

عن Al Salihi

وكالة الأخبار العربية الأوروبية "أينانيوز" وكالة إخبارية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتنتمي لأي جهة حزبية اوحركة سياسية سواء داخل العراق أو خارجـه هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشري وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والسلام بين الناس وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب والاثنيات

شاهد أيضاً

حقيقة وفاة الفنانة ياسمين عبد العزيز في سويسرا

أينانيوز/ / متابعة/ كشف الفنان المصري وائل عبد العزيز، حقيقة وفاة شقيقتة الفنانة ياسمين عبد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *