الرئيسية / صحافة ورأي / العراق المنهك على خط النار

العراق المنهك على خط النار

هوزان زبير*

استبعدت الولايات المتحدة استهداف قائد فيلق القدس قاسم سليماني في سوريا، باعتبار ان الوضع في سوريا لا يتحمل المزيد من التعقيد بعد ان و صلت الى قاع الازمة ومن المفترض ان تبدأ بالطلوع. بلا ادنى شك وفي ظل النظام السوري الهش، كانت الولايات المتحدة ترصد الاماكن التي تردد عليها قاسم سليماني في دمشق و غيرها من المناطق ذات النفوذ المشترك(الايراني و السوري)، ولأن روسيا هي التي ترصد الاجواء السورية فقد تسمح بقصف اسرائيلي هنا وهناك على بعض المواقع، لكن لن تستطيع تحمل ضريبة بحجم سليماني، فذلك سيدفعها الى مواجهة مشكلة في التحالفات الاقليمية وعلاقاتها مع ايران.

بينما العراق التي سقطت عسكرياً عام 2003، وارادته الولايات المتحدة سقوطاً سياساً ايضاً ، وزودتها بدستور فيدرالي، فكان البديل لدى واشنطن يتطلب انذاك زيادة نفوذ شيعة العراق بالتحالف مع القوى الكردية، لان القوى السنية لم تهدأ سريعاً اعقاب 2003 وبقت على خط النار في الفلوجة ومناطق اخرى من الانبار ثأراً للنظام السابق. بهذا ارادت الولايات الامريكية المتحدة كسب الود الشيعي العراقي وفصله عن النظام الشيعي الايراني من خلال تطبيق خطط طويلة الامد، الى جانب برامج تأديب السنة بخلق جماعات في صفوفها بمسيات “ارهابية” ليتم تصفيتها سياساً وتكون القوى المستخلصة من هذه التصفية جاهزة فكرياً للرضوخ. لكن بعد تشكيل اول حكومة عراقية فيدرالية، عملت الولايات المتحدة للتوجه الى اخضاع الطرف الشيعي ايضاً و ابعاده عن النفوذ الايران ذو التوجه الطائفي المشترك، لذا قامت خلال فترة زمنية بخلق خلاف بين حزب الدعوة اكبر الاحزاب الشيعية في العراق، وانتهى المطاف بهذا الحزب مؤخراً بان ينقسم بشكل غير معلن بين قطبين احدهما موالٍ لايران و اخر للغرب وكان المشهد واضحاً في الخلاف بين العبادي و المالكي وهما من نفس الحزب ابان سيطرة داعش على العراق وحتى نهايته.

وخلال العقد الاخير وبعد المحاولات الحثيثة ،يبدو ان الولايات الامريكية المتحدة تتمكن من بناء جدار سياسي عازل بين ايران و العراق ،علماً ان التوجه المرجعي بين البلدين تاريخي لا يمكن فصلهما الا بتقسيم شيعة العراق بين موالٍ ومعارض لـ”قم”، وقد ظهرت نتائجه مؤخراً على الساحة السياسية حين وصل المنافسة على الحكومة لدرجة الصراع بين قوتين شيعيتين احداها تنفذ اجندة ايرانية و اخرى لا سبيل لها سوى ان تكون على مقرّبة من الحلف الغربي.فاستهدفت سليماني وقادة الحشد الموالين له و بالتالي للنظام الايراني،وذلك في اطار ما حاولت واشنطن صنعه تدريجياً وعلى برنامج بطيئ.

ومن المعروف ان ايران تسعى دائماً الى تقديم خط جبهتها الى خارج حدودها الادارية تحسباً لاي حرب او صراع مستقبلي، فتكون الحرب بالوكالة على ساحة ليست ايرانية، بل يكون شبيهة بالحرب السورية و اليمنية، والصراع اللبناني، اي اغلب الدول الشرق اوسطية التي يعيش فيها نسبة من الطائفة الشيعية.

ففي العراق، وبغض النظر عن مدى مصادقية الانتخابات التشريعية، تبين ان الغالبية الشيعية في البرلمان المنتخب من قبل الشعب لا تتوافق مع النهج الامريكي في البلاد،وبات صعباً على الولايات المتحدة ادراج شخصية تلائم سياستها التي فرضتها بدستور طوني بلير بعد سقوط النظام البعثي 2003. والى جانب ذلك،ادركت واشنطن صعوبة المهمة، فاتجهت الى طريقة استغلال فجوة المنافسة بين القوى الشيعية لجعلها صراعاً و ليس مجرد خلاف او منافسة كما التي موجودة في حزب الدعوة هذا الحزب الشيعي الاكبر في العراق.

وبالفعل حين تستهدف الولايات المتحدة قوة تابعة للحشد الشعبي دون اخرى، وتفرض عقوبات على شخصيات قيادية في فصائل الحشد المقربة من ايران كعصائب اهل الحق و منظمة بدر و كائب حزب الله دون اخرى غير موالية لايران، تشتعل الازمة بين قياداتها فيبدأون بالتناحر فيما بينهم والقاء اللائمة على بعضها البعض لعدم تمكنهم من قيادة حكومة مستقرة، وبذريعة جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات فيبدأ عملية الضغط الداخلي و التناحر السياسي.

وكما ذُكر اعلاه، ظهرت نتائج الخطة الامريكية، ويبدو ان محاولاتها نجحت نسبياً في التصدي لفرض شخصية من قبل الكتلة النيابية التي تسمي نفسها بالاكبر في البرلمان وهي كتلة البناء حسب ما يُزعم، وقوامها الاساسي تحالف بدر بقيادة هادي العامري و دولة القانون بقيادة نوري المالكي.

ربما يظن البعض ان هذه استهداف سليماني قد جاءت للتصدي للنفوذ الايراني على الساحتين السورية و العراقية فقط، او عملية انتقامية للضربة التي وجهت لقاعدة ك 1 في كركوك،والتي قتل فيها كادراً امريكياً، وغيرها من الصواريخ التي تراشقت على قواعد امريكية اخرى خلال الشهرين الاخيرين من العام المنصرم، او الاقتحام الى السفارة، لكن التحليل الاخر هو ان الضربة الامريكية كانت بمثابة رسالة الى القوى العراقية تدفعها او بتعبير اصح تجبرها على اختيار رئيس حكومة بعيداً عن النفوذ الايراني، اذ أتت الضربة في مرحلة يسود فيها خلاف كبير بين طرفيين شعييين حول عملية اختيار الخلف لعبدالمهدي.

وتلك الضربة تدفع القوى العراقية عموماً بما فيها الكردية ،لاتخاذ قرارات اكثر دقة وحساباً في العملية السياسية المقبلة، خاصة ان الشارع العراقي لازال ملتهباً نتيجة الاحتجاجات الدموية منذ خريف 2019، وبات من غير الممكن فرض شخصية لقيادة الحكومة بعيداً عن مطالب المحتجين.

صحيح ان الاستهداف يبدو بحسب ما هو ظاهر و معلن قد يوحد الموقف الشيعي بخصوص تواجد القوات الامريكية و ستظهر مساعي لاخراجها من البلاد، لكن ما خلف الستار هو انها تسببت بتوليد ضغوطات طرف على اخر في الداخل العراقي.

ولعل انسحاب انصار الحشد الشعبي من امام السفارة الامريكية في بغداد يوم 1 كانون الثاني 2020، بعد اقتحامهم سور السفارة احتجاجاً على استهداف الوية الحشد، جائت تحت ضغط سياسي من الجهات التي تراهن على النفوذ الامريكي بحجة الرغبة في عدم تحويل العراق الى ساحة صراع عسكرية.

وكنتيجة لما سبق، سيشهد العراق خلال المستقبل القريب انقساماً اكبر بين القوى الشيعية، قد لاينتهى بها المطاف الى احتراب،لكن على الاقل ستشهد تنازل بعضها للاخرى بما يتعلق بالصراع على المناصب، وهذا الصراع هو نفسه يعكس شكل الصراع بين ايران و امريكا، اما احتمال اندلاع الحرب العسكرية بينهما الدولتين (ايران- امركيا)هو الاقل ترجيحاً،وستكون لايران افعالاً اقل مستوى من اقوالها وستتصرف بما تملي عليها مصالح الحفاظ على نفسها بشكل لا يسوء اكثر من المستوى الحرج الذي هي فيه تحت وطأة العقوبات التي تعاني منها.

 

*كاتب كردي سوري

عن Al Salihi

وكالة الأخبار العربية الأوروبية "أينانيوز" وكالة إخبارية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتنتمي لأي جهة حزبية اوحركة سياسية سواء داخل العراق أو خارجـه هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشري وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والسلام بين الناس وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب والاثنيات

شاهد أيضاً

العراق… مشاهد رأسية

فلاح الناصري… بعيدا عن الجدل الذي دار على مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن وفاة وزير الدفاع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *