الرئيسية / فن وثقافة / “أسست للعدالة والتناغم الاجتماعي خلال ستة قرون سلاطين الدولة العثمانية”

“أسست للعدالة والتناغم الاجتماعي خلال ستة قرون سلاطين الدولة العثمانية”

الــقاهــرة/مــتابـعة….

الدولة العثمانية أعجوبة من أعاجيب التاريخ في ظروف نشأتها وقيامها، وفي قادتها وسلاطينها، وجميع شؤونها، اقتحمت التاريخ من غير استئذان، وزاحمت الدول، وشغلت العالم وخطفت الأبصار والأسماع، وحملت راية ليست بموضع ترحيب بين الرايات، وشرقت بها وغربت وركزت سواريها في الآفاق، ورفعتها فوق هامات الرايات، وامتد سلطانها واتسع، وغالبت وغلبت، فإذا بها تنداح عميقا في شعاب أوروبا تطرق أبواب عواصمها ومدنها الكبرى، وفي آسيا وإفريقيا لها كذلك صوت مسموع، ورأي مقبول، وأمر مطاع، ولم يكن سلاطين بني عثمان رجال دولة فحسب، بل كانت لهم اهتمامات أخرى إلى جانب ذلك، فكثير منهم يقرضون الشعر، وبعضهم له اهتمام بالموسيقى عزفا وتأليفا، وآخرون يحترفون حرفًا يلمون بها إلمام الخبراء، ويبدعون بها إبداعات شتى، وأغلبهم مهتمون بالخط العربي يكتبون به أجمل اللوحات ويشجعون عليه، أما المساجد التي بنوها وزينوا بها عواصمهم ومدنهم فهي بشموخها وعظمتها ودقة هندستها وما تحتوي عليه من اللمسات الفنية ومن جمالية الخطوط التي تزين جدرانها بآيات من القرآن الكريم ما يجعلها آية من آيات الجمال المعماري يقل نظيره في بلدان العالم.

وفي كتابه” سلاطين الدولة العثمانية” الصادر عن ” دار النيل” بترجمة منى جمال الدين، يلفت صالح كولن إلى أن الدولة المرصودة لحمل الرسالات الكبرى إلى العالم تصنع على عين القدر، وتتشكل على مهل حتى تبلغ أشدها وتقوى شوكتها، فتحتل عندئذ مكانا مرموقا بين الدول بجهود سلاطينها وحكامها، حيث استمرت الدولة العثمانية كإمبراطورية إسلامية أسسها عثمان الأول بن أرطغرل غازي لما يقرب من 600 سنة، وحتى 29 أكتوبر سنة 1923م، وامتدت أراضيها في ثلاث قارات، والمتأمل في أسلوب حكم السلاطين العثمانيين يجد أن جميع الرعايا الذين كانوا ينتمون إلى أديان مختلفة، وأعراق مختلفة، ويتكلمون بلغات مختلفة، كانوا يُعطَون طوال قرون من حكم السلاطين العثمانيين الوسيلة والفرصة للتعايش بسعادة، إذ كانت طريقة الإدارة الإنسانية للسلاطين العثمانيين إلى حد كبير هي السبب في أنهم ما زالوا يحظون حتى اليوم بالتقدير والاحترام في تركيا، وأنهم ما زالوا يُذكرون بالدعاء والرحمة في أنحاء كثيرة من العالم الإسلامي، وأنهم ما زالوا معروفين على نطاق واسع في البلقان والشرق الأوسط وإفريقيا والشرق الأقصى ووسط آسيا، وقد تكون إنسانيتهم أيضا التي ساعدت على صون التراث العثماني، بينما حكم على إمبراطوريات وممالك مشابهة بأن يحط من قدرها بعد زوالها.

بلغت الدولة العثمانية ذروة مجدها وقوتها خلال القرون الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر، وخضعت لها آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا، وقد حكم العثمانيون عددا كبيرا من شعوب العالم ولم يستغلوا رعاياهم على الإطلاق، سواء بأساليب مادية أو معنوية، وسمح شكل الإدارة العثمانية بوجود عدة أنظمة قانونية مختلفة جنبا إلى جنب، بحيث كان لكل مجموعة محاكمها الخاصة، وسمح هذا النظام بتعايش ناجح للغات والأديان والطوائف المختلفة لمئات السنين، وهذا رقم قياسي لا يكافئه إلا القليل جدا من الديمقراطيات المتقدمة في العصر الحالي، ويفوق التركيب الثقافي والقانوني الذي أنجزه العثمانيون الأنظمة المعمول بها في كثير من الدول المعاصرة لها، ونجحت الإدارة العثمانية في تأسيس التناغم الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والوعي البيئي، وظل العديد من المؤسسات الخيرية التي أقامها السلاطين وأشخاص آخرون من الأسرة العثمانية قائمة حتى وقتنا هذا، فمجمع المباني الذي كان يتركز حول المساجد، ويضم المدارس، والكليات، والمكتبات، ومنشآت الرعاية الصحية، وأسبلة المياه العامة، والحمامات العامة، والملاجئ، والمطابخ العامة للفقراء، بالإضافة إلى الخانات التي كانت تستضيف المسافرين، والإسطبلات لخيولهم، كل ذلك كان يُبنى في كل ركن من أركان الدولة العثمانية، وبخاصة في الحرمين، وكان يجرى تمويل كل هذا من قبل المؤسسات الخيرية من هذا النوع، مما يعطي مثالا حول كيفية قيام الدولة بمسؤولياتها الاجتماعية بشكل مثالي، ويدلل على عمق فهم العثمانيين للإسلام بتطبيقه على أرض الواقع.

الكتاب الصادر على هيئة سجل ملون يضم بين دفتيه عشرات الصور والرسوم الملونة لسلاطين الدولة العثمانية وانجازاتهم ومعالم نهضة تلك الدولة في مجالات البناء والعمارة والزخارف والخطوط والخرائط ، كما يتناول بالدرس والتحليل مسيرة 36 سلطانا عثمانيا بدءا من عثمان غازي”1299- 1324م” وأورخان غازي ومراد الأول وبايزيد الأول ومحمد الأول ومراد الثاني ومحمد الثاني وبايزيد الثاني وسليم الأول وسليمان الأول وسليم الثاني ومراد الثالث ومحمد الثالث وأحمد الأول ومصطفى الأول، ومرورا بـ عثمان الثاني، ومراد الرابع وإبراهيم ومحمد الرابع و سليمان الثاني وأحمد الثاني ومصطفى الثاني وأحمد الثالث ومحمود الأول وعثمان الثالث ومصطفى الثالث وعبدالحميد الأول، وسليم الثالث، ووصولا إلى مصطفى الرابع ومحمود الثاني وعبد المجيد وعبد العزيز ومراد الخامس وعبد الحميد الثاني ومحمد رشاد ومحمد وحيد الدين الشهير بمحمد السادس” 1918- 1922″ الذي قضى سنوات حكمه يعاني من العواقب المريرة للحرب العالمية الأولى واعتاد أن يقول دائما إنه كان خطأ فاحشا من العثمانيين أنهم شاركوا فيها، وكان يعتقد أن بإمكانه إنقاذ دولته من خلال دبلوماسية تميل إلى بريطانيا، في وقت تعرضت فيه الدولة العثمانية للغزو والتمزق، وتشتت جيوشها، وضعف القوة العاملة بشكل دراماتيكي، فيما كان يعني شعبها الفقر والإنهاك بسبب الحروب المتواصلة.

عن Al Salihi

وكالة الأخبار العربية الأوروبية "أينانيوز" وكالة إخبارية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتنتمي لأي جهة حزبية اوحركة سياسية سواء داخل العراق أو خارجـه هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشري وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والسلام بين الناس وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب والاثنيات

شاهد أيضاً

هيفاء وهبي تستعرض جمالها بملابس جريئة جدا (صور)

أينانيوز/ متابعة/ استعرضت الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي جمالها مرة أخرى بملابس وإطلالة جريئة. حيث نشرت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *