الرئيسية / المقالات / العراق…ما الذي يجري وما هو المطلوب ؟

العراق…ما الذي يجري وما هو المطلوب ؟

بقلم/صالح مختار /اثار الاستفتاء في اربيل موجة قوية من ردود الافعال والتساؤلات لان الحدث كما طرح خطير بكل المعايير وربما تستبطن تفاعلاته ونتائجه احداثا اكثر تدميرا للعراق والمنطقة كلها وهو ما قد يكون غاب عن اذهان البعض، وبناء عليه فان التساؤلات وردود الافعال طبيعية مهما كانت درجة صوابها ودقتها ، وهنا لابد من الاخذ بنظر الاعتبار الحقائق التالية :

1-ان وحدة العراق الاقليمية ليست سلعة للمساومة بل هي احد اهم اسس ومداميك الموقف الوطني العراقي والقومي العربي وهذا ما اكده دستور البعث عند تأسيسه ، لهذا نعيد التأكيد على ان وحدة الاراضي العربية من المحيط الى الخليج العربي بما فيها العراق حقيقة ليست تاريخية فقط بل هي ستراتيجية ايضا ولايمكن التفريط بها تحت اي ظرف وضغط .

2-طيلة عقودِ مضت نادى العراق من اجل الوحدة العربية لان ضمن  اول اهدافه القومية لذلك ليس واردا بأي شكل التفريط بوحدة جزء من الوطن العربي وهو العراق جمجمة العرب وبوابتهم الشرقية وقوة الصد الاساسية .

3-حقوق التكوينات غير العربية والاعترف بخصوصياتها طرحها العراق سابقً كالحكم الذاتي للأكراد كحل جذري يضمن وحدة البلد وهويته الوطنية ويمنع استغلال قضاياه الداخلية من قبل قوى خارجية معادية لاجل تمزيقه وشرذمته ،ايماناً بحقوق الشعب الكردي في اطار عراق واحد ديمقراطي .

وللتذكير فقط فان الاعتراف بالقومية الكردية واقامة حكم ذاتي لها بكافة مؤسساته كان خطوة غير مسبوقة ومازالت كذلك حتى الان في كافة الدول التي يوجد فيها اكراد ، فقط في العراق تم الاعتراف بالحقوق القومية للاكراد رغم ان عددهم في العراق هو الاقل .

4- سياسة حكومات نوري المالكي  الطائفية كانت احد اهم الاسباب التي دفعت الى اللجوء للاستفتاء كقطع الرواتب وغيرها وهي اجراءات خلقت مشاكل معقدة معاشية وسياسية في منطقة الحكم الذاتي . وهنا وللمقارنة فقط ليس من العدل مساواة تعامل اربيل مع العراقيين العرب فيها بالظلم المتطرف طائفيا الذي تمارسه حكومة المنطقة الخضراء باوامر ايرانية صريحة على عرب العراق كلهم ، وقيم العروبة والاخلاق تحتم علينا الاعتراف بالتعامل الانساني هذا .

5-الاحداث التي وقعت بين عامي 1991 و2003 زادت من تعقيد مشاكل العراق ومنها المشكلة الكردية خصوصا بعد الغزو الأمريكي للعراق حيث تعمد الغزاة اشعال حروب طائفية وعنصرية كجزء من خطة لتقسيم البلد وهو ما بني عليه دستور بريمر الذي قام على نظام يفضي لاحقا الى تقسيم العراق من خلال المحاصصات وتغذية النزعات الانفصالية والتقسيمية تدريجيا ، خصوصا بدعمها بعامل اقتصادي مزدوج فمن جهة افقر شعب العراق عمدا لحد الموت جوعا والتخلي عن القيم الانسانية والاخلاقية من قبل البعض ومن جهة ثانية ادخلت مادة في دستور الاحتلال تشجع التقسيم بتأكيد ان الثروات لمن يسكن فوقها وليس للعراق كله فحركت نزعات انانية محلية مهدت للدعوة الى نظام الاقاليم الفدرالية وتسابقت كافة الاطراف لاجل اعلان نفسها كاقليم لاجل السيطرة على الثروة فيه واحتكارها في بيئة التجويع المنظم والقهر والتمييز الطائفي والعنصري البشع .

6-كانت الاحداث كلها منذ الغزو الامريكي تتجه نحو تنفيذ احد اهم اهداف الاحتلال وهو تقسيم العراق وبرز الاتفاق الامريكي الايراني على هذا الهدف في عام 2005 حينما اعلن عبدالعزيز الحكيم عن ضرورة اقامة اقليم الجنوب شبه المستقل وكان موقف اسرائيل الشرقية ( ايران ) هو امر الحكيم بانشاء اقليم الجنوب ودعم الاعلان عنه لانها كانت تعتقد بان امريكا باقية في العراق لمدة خمسين عاما كما اعلن بوش الصغير ، وفي تلك الفترة وهذا ما يجب تذكره بوضوح الان كانت اسرائيل الشرقية تركز على اقليم الجنوب وتوسيعه بحيث يشمل الجزء الاكبر من بغداد، خصوصا شرقها حيث مكامن النفط ، ويمتد الى سامراء حيث مرقد الامامين ، لتبقى بقية العراق من حصص ما سمي ب(العرب السنة) والاكراد ! وهذا بالضبط والدقة هو المشروع الاسرائيلي الذي دعمته امريكا ودول اوربية وقام على تقسيم العراق الى ثلاثة دول : دولة كردية في الشمال ودولة سنية في الوسط ودولة شيعية في الجنوب .

لكن الانسحاب العسكري الامريكي من العراق لتجنب الانهيار الشامل نتيجة فاعلية عمليات المقاومة العراقية غير الموقف الايراني فجعلت السيطرة على كل العراق هدفا اساسيا لها بدل الاكتفاء بالجنوب وبعض الوسط وبدأت تعمق تغلغلها في العراق وتفرض سيطرتها عليه في كافة مناحي الحياة . وكل ذلك تم بدعم امريكي مباشر وغير مباشر لان العجز الامريكي عن السيطرة على العراق وهزيمتها امام المقاومة العراقية اجبرها على تغيير الخطة فاوكلت للنظام الايراني مهمة اكمال تدمير العراق واعداده للتقسيم بتصعيد الفتن الطائفية والعرقية وجعل وحدة العراق مستحيلة وهو ما قامت به امريكا واسرائيل الشرقية في الفترة ما بين عام 2011 و2017 واعد مسرح التقسيم بكامل اركانه المطلوبة باستثناء شرط بالغ الاهمية هو ان الارادة الشعبية في كل العراق تقف ضد التقسيم رغم كل المأسي والكوارث ، لهذا ارتأت امريكا وبريطانيا التأني في تقسيمه لحين اكمال متطلبات جعل قسم مهم من العراقيين يطالب بالتقسيم كحل مكروه ولكنه الوحيد الذي ينقذ العراقيين من الظلم الفادح والذي تمارسة اسرائيل الشرقية .

7- من الضروري الانتباه الى ان الوقت غير مناسب للاستفتاء –الاستفتاء احد اشكال قياس الرأي العام – بسبب الظروف البالغة التعقيد والخطورة للعراق كله خصوصا وان وامريكا الان تعود للعراق ليس سياسيا فقط بل عسكريا ايضا بعد ان عززت سيطرتها المخابراتية التي لم تضعف ، وتهيأ كافة شروط تقليم اظافر اسرائيل الشرقية واعادة تنظيم ميليشاتها لاكمال متطلبات تحويل العراق الى قاعدة امريكية ثابتة وهو امر يتخطى حدود واهداف الاستفتاء المعلنة بنتائجه ومخاطره ، لان الخطة الامريكية تتطلب افتعال ازمة خانقة مضافة تضغط على الجميع وتدفعهم لخيارات كانوا يتجنبونها وبعضها مضر بالجميع وتصبح هي الحل الوحيد المتاح والممكن وهو ما يساعد امريكا على اكمال تغلغلها في العراق وزيادة السيطرة عليه وتحويل الغزو الايراني الى نفوذ مسيطر عليه . والازمة الحالية التي صعدت بسبب الاستفتاء تقع في هذا الاطار وامريكا ليست كما تدعي وكما تصرح بل هي المهندس لكل ما يجري الان وهي التي تشرف بواسطة رجالاتها الامريكيين في العراق على سير وتطور الحدث العراقي لضبطه ليكون ضمن اطار المخطط الامريكي .

8-ضمن ثابتين،الاول  اننا مع تحرر الشعوب وحصولها على حقوقها الاساسية فمثلما نريد ان نتحرر يجب ان نعمل على ان نساعد على تحرر الآخرين من الظلم والتمييز والاضطهاد ، والثابت الثاني انساني بمعنى ان التحرر هو تحرر الانسان لان التحرر ليس بالضرورة الابتعاد والانفصال بل هو تحرير الانسان من كافة اشكال التمييز والظلم الذي يعاني منه . كما ان التحرر مصطلح بالغ الوضوح فلكي تكون متحررا ومستقلا يجب ان تكون بعيدا عن مخططات الاستعمار والقوى المعادية لحرية الشعوب وان تندمج في حركة الشعب الحرة المناضلة من اجل طرد الغزاة .

9-الاستفتاء بصفته احد اشكال قياس ارادة الشعوب يجب ان يكون بالصيغ الملائمه ولا يؤثر على وحدة الارض ولا على الهوية الوطنية ، وفي ضوء ما تقدم فأنه لايعني الانفصال تلقائيا بل هو الان وكما ترجح المؤشرات العملية عملية ضغط واضحة وصراع مرير بين حكومة المنطقة الخضراء واربيل لاجل تحقيق اهداف كل طرف وهي تتعلق بتحقيق مكاسب وليس بالانفصال حاليا ، خصوصا وان كافة الاطراف الاقليمية والدولية والعربية وقفت ضد الانفصال واعلنت موقفا واضحا منه مما جعله خطوة بالغة الخطورة وليس من الحكمة الاقدام عليها .

من هنا فان التسرع في الاستنتاج مما يجري بان الانفصال قادم بعد الاستفتاء مباشرة ليس صحيحا لانه فهم ناقص او خاطئ لما يجري والفهم الناقص هذا هو احد الاهداف المطلوبة مخابراتيا الان لاجل تعقيد المشهد العراقي والدفع نحو خطوات ارتجالية غير مدروسة النتائج واشعال صراعات بين اطراف منسجمة الان وتقف موقفا موحدا تجاه ما يجري . واي تسرع في اتخاذ موقف حاسم ونهائي خاطئ لان ما يجري ليس الامر النهائي بل مرحلة عض اصابع بين الاطراف العراقية والاقليمية والدولية لاجل كسب مواقع داخل العراق والمنطقة كلها .

والمطلوب هو الانتباه الدقيق لحقيقة ما يجري واهدافه الحقيقية كي نحدد موقفنا النهائي والتفصيلي المطلوب وطنيا ونتجنب ان نجد انفسنا في صراع غير صراعنا المطلوب من اجل تحرير العراق من الغزو الايراني واي غزو اخر، وهذا هدف امريكي وايراني واضح فكلما زجونا في صراع لايؤدي الى تحرير العراق استنزفوا قوانا وسلبوا منا القوة الضرورية لمعارك الحسم القادمة وهي ليست هذه المعركة . نعم هناك اطراف تريد جعل هذه الازمة المعركة الحاسمة لكن قوى دولية واقليمية لاتريدها معركة الحسم النهائي الان بل هي معركة على ذلك الطريق وتمهيد له ، فلم نزج انفسنا في معركة ليس فيها حسم بل هي عملية استنزاف وزيادة التشرذم العراقي ؟ هل تتذكرون كيف ان “داعش” اطلقت عمدا لتأجيج صراع داخلي الحق ضررا مدمرا بالعراق .

المعركة الحالية الاساسية هي مع من يفرس العراق ومن يدعمه دوليا واقليميا خصوصا امريكا واسرائيل الغربية . ونؤكد للجميع بان منطقة القتل التي يريدون جرنا اليها والثقب الاسود المعد لنا بموضوع الاستفتاء لن يحدث لاننا نعرف بوضوح تام بان تحرير وانقاذ العراق والامة كلها رهن بدحر اسرائيل الشرقية اولا وقبل اي واجب اخر .

10-علينا ان نتوقف قليلا عند الضجة العالية حول الصلة الاسرائيلية بالاكراد ونتسائل : هل هذه الصلة جديدة ؟ الجواب هو كلا فقد كانت الخطة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين تقوم على دعم الاقليات في الوطن العربي وتشجيعها على الانفصال وهذا ما عرفه العرب جميعا كجزء من وعيهم لما يجري وقتها ، ومع ذلك تعامل العديد من العرب الوطنيين والقوميين الحقيقيين مع القضية الكردية بصفتها قضية تستحق الدعم والاعتراف بحقوق الاكراد في العراق ولهذا راينا الرئيس الراحل جمال عبدالناصر يفتح مكتبا في القاهرة للحركة الكردية ، رغم أعتراف النظام الوطني السابق في العراق بوجد بوجود صلات بين الحركة الكردية واسرائيل الغربية ، فلم اقدم عبدالناصر والبعث على التعامل بايجابية مع الحركة الكردية رغم وجود صلات واضحة لها باسرائيل الغربية ؟

الجواب واضح جدا فلكي تحل مشكلة يجب ان لايعيقك سبب ما لانك احد اهم الاطراف المؤثرة وكانت الحسابات وقتها هي انه  لاسرائيل الغربية صلات وتأثيرات على الحركة الكردية يجب علينا البحث في امكانية فصلها  بالاعتراف بحقوق الاكراد في العراق لان الحركة الكردية كانت تقول بان صلتها الاسرائيلية اضطرارية لعدم وجود داعم عربي لها ، فلم التركيز على هذه الصلة الان وكأنها جديدة وتكتشف الان وتصبح هي الموضوع الذي يجب حسمه مع انه ليس كذلك ؟ ننبه الى هذه الظاهرة الخاطئة .

المطلوب الان هو مراقبة ما يجري بدقة وحذر شديدين وليس التورط في صراع غير محسوب النتائج والتمسك بحقوقنا الوطنية والقومية وبلا اي مساومة او تنازل مثلما نتمسك بستراتيجتنا القائمة على اعادة بناء عراق ديمقراطي تعددي واحد ، وخوض اي صراع اخر ليس لنا مصلحة فيه يضعف قدرتنا ، فبدون تحرير العراق من الغزو الايراني والامريكي لن تقوم لنا قائمة وسوف تستمر كوارث العراق لانها مصطنعة وهدفها الحقيقي هو تقسيم العراق .

علينا ان نحدد الاهداف المخفية لما يجري حول الاستفتاء ونكشفها وليس الظاهرة على السطح فهي للخداع ولفت الانظار عن الدافع العميق والمخفي .

عن Al Salihi

وكالة الابناء العربية الاوربية”أينانيوز”عراقية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتمت باي صلة لاي جهة حزبية او سياسية سواء داخل وخارج العراق هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشري وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والامن والسلام في العالم وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب وتشدد على اهمية تعزيز الروابط الاجتماعية بين الناس

شاهد أيضاً

هل باتت الحاجة ملحة لنظام انتخابي مختلف في العراق

بقلم/عبدالهادي الحكيم / نظرا لأن مجلس النواب سيناقش قانون انتخاباته، ولوجود ثلاثة قوانين لانتخابات مجلس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *