الرئيسية / المقالات / أستفتاء كردستان ولغة التخويف والتخوين

أستفتاء كردستان ولغة التخويف والتخوين

بقلم زهير الجزائري:

ما الضير في أن يقول ٥ في المئة من الكرد: لا للاستقلال؟ وما الضير في أن يقول آخرون: هذا الوقت غير مناسب؟أفهم الأمر باعتباره استفتاء حراً وليس امتحاناً لكردية الكردي.
أوجه السؤالين وأنا خائف من استباق الاستفتاء بحملة تخويف تجعل بعض أصدقائي الكرد يهمسون في أذني: أنهم مبدئياً مع الاستقلال، لكنهم يعارضون استفتاء لا يمكن تطبيق نتائجه. مع ذلك، يخافون إعلان آرائهم خوفاً من التخوين.والتخوين في منطقنا الشرقي سهل، تستخدمه السلطات وبعض المثقفين لفرض الرأي الواحد.
سأستشهد بنماذج من لغة التخويف. أدري أنها نابعة من حماسة لحلم قديم للكرد يريد أن يتحقق الآن. حلم قاتلوا وضحّوا من أجله: أن تكون لهم دولتهم الخاصة وسط إمبراطوريات تريد أن تجردهم من هويتهم الخاصة وتدمجهم في الكيان الكبير بقوة السلاح. لكن البعض يريد تحويل هذا الحلم إلى كابوس للمعارضين. ففي مقالاته الداعمة الاستفتاء، يستخدم الكاتب سربست بامرني قاموساً غزيراً من الاتهامات (جوقة المرتزقة والخونة والأعداء التقليديين لشعب كردستان، عقلياتهم المريضة، استنتاجاتهم العقيمة، أعداء كردستان وعبيدهم…). أكثر من نصف هذه الاتهامات موجّه إلى كرد يفترض أنهم سيشاركون في الاستفتاء. كيف يمكن أن يصل كاتب يقيّد نفسه بكل هذه الاتهامات للطرف الآخر، كردياً كان أم عربياً. تخيفني هذه اللغة لأن استباق الاستفتاء بكل هذه الاتهامات يجرده من مغزاه الحقيقي ويحوله إلى مجرد عملية تأييد شكلية تذكر بالنسب المعروفة: ٩٩,٩ في المئة في استفتاءات الولاء التي تنظمها الديكتاتوريات العربية. تخيفني لأنها تحول كل المحاذير الواقعية والمتوقعة التي أوردها الكاتب (تضخيم الخلافات الداخلية والتحجج بأن الوقت غير مناسب وأن هناك مهمات ديموقراطية يجب أن تنفّذ قبل ذلك إلخ… انتهاء بالتمسك الكاذب والمزعوم بالدستور والوحدة الوطنية والوعيد والتهديد باجتياح كردستان والحرب الأهلية وبتدخل القوى الإقليمية ودول الجوار…). كل هذه يعتبرها السيد بامرني مجرد حجج وذرائع للتملص من هدف قومي. ليست هذه ذرائع كما يتصور بامرني. هناك اعتراضات ومخاوف واقعية كثيرة غير بعيدة من الجدل داخل القيادة الكردستانية، منها الشرعية الداخلية في برلمان معطل ورئاسة تنتظر الحسم، هناك مخاوف جدية من تدخلات إقليمية واعتراضات دولية. وينبغي أن لا نأخذ الرسالة المنسوبة إلى حيدر العبادي كردّ على القيادات الكردية على أنها مجرد رسالة تخويف، فنزعة الانتقام من الأكراد موجودة في عقلية «الحواسم» التي تحكم، وهناك مشاكل مالية، ونحن نعرف أن الاستقلال يبقى منقوصاً في دولة مغرَقة بالديون، وتبقى رهينة دائنيها. ليست هذه ذرائع مختلقة أو مخاوف مريضة.
مثل آخر أكثر أدباً ولباقة لصحافي احترمه هو الصديق كاميران قرداغي. ملكة جمال العراق الكردية الوالد والعربية الأم، فيان عامر، تورطت وأجابت عن سؤال لوكالة روداو حول رأيها بالاستفتاء: «في رأيي يجب أن يكون العراق موحداً، وأن تكون كردستان جزءاً لا يتجزأ من العراق». يحيل كاميران هذا الموقف إلى خلل عرقي يكمن في ازدواجية هويتها (هذا حقها. صعب عليها أن تفصل نصفها الكردي عن نصفها العربي، خصوصاً أنها لا تجيد الكردية أصلاً وولدت وترعرعت بين العرب في بغداد. لكن، عموماً «ما زاد حنون في الإسلام خردلة»، كما يقول المثل! صحيح أن من الصعب عليها الفصل بين نصفها الكردي ونصفها العربي، لكن هذا ليس خللاً يا صديقي، إنما شعور إنساني بأن ترى امرأة جميلة في عائلتها مثلاً للانسجام بين طرفين، وأن ترى في الاختلاف وحدة. هذا لا يحتم عليها أصلاً أن تغلب نصفاً على آخر وأن تحب الاثنين؟ لم تعش الكردية الجميلة في كردستان وهذا ليس نقيصة، لكنها فخورة بمدينة والدها: «وأنا سعيدة جداً لأن هويتي من السليمانية، وهم ينادونني «فيان سليماني»، ولكنني ولدتُ في بغداد، وأتقنُ القليل من اللغة الكردية، وأرغبُ في تعلم اللغة الكردية والتحدث بها بطلاقة، وأنا الآن أقوم بمحاولة جدية لتعلمها». ولدت فيان في بغداد التي كانت أكبر مدينة كردية. لا يقلل من كردية الكردي أنه يعيش في مكان آخر، ونحن نعرف كم هم الأكراد في المنافي، وننسى ونحن في هذا العمر أن أجيالاً من الكرد ولدوا في المنافي ولا يعرفون الكردية وأنهم مع ذلك سيصوتون بـ «نعم»، وربما من دون أن يزوروا كردستان مستقلة ولا فيديرالية. أنت نفسك عشت نصف عمرك مع العرب في العراق وفي المنفى من دون أن يتغلب نصفك العربي على نصفك الكردي، وأنت تعيش في بلد قرر فيه أكثر من نصف الاسكتلنديين البقاء في الدولة الأكبر، فلماذا تنفي حق مواطن في أن يختار البقاء مع عراق موحد؟ وأنا على يقين بأن النسبة الكاسحة ستقول نعم بلا تردد. لو كنت كردياً لفضلت التردد لأنه يعني تقليب الخيارات قبل اتخاذ الرأي. والكرد أبناء منطقة لها تاريخ في تحول الأحلام إلى كوابيس… أعرف أن يأس الكرد من الدولة المركزية كان السبب وراء اتخاذ القرار، فأقول لك بأن نخب الفساد الحاكمة لها مصلحة في انفصال الكرد الآن وليس غداً، لأن ذلك سيعزز حصتهم في مداخيل البلد ويعزز نفوذهم في الحكم بغياب طرف مؤثر. مع ذلك، لا يصلح الجزع وحده كبرنامج عمل.
أخطر الاتهامات نشرها نائب في البرلمان العراقي عن مدينة كركوك: شاخوا عبدالله على صفحته على «فايسبوك» يوم الجمعة (16حزيران – يونيو 2017) يطالب بفتح ملف لمعارضي استفتاء إقليم كردستان واستقلاله لإحالتهم على القضاء: «من الضروري بدء فتح ملفات لتدوين وحفظ التصريحات التي يطلقها المعارضون لاستفتاء استقلال الإقليم، وذلك تمهيداً لإحالة هؤلاء المعارضين إلى الاستجواب والمساءلة القانونية وتقديمهم إلى القضاء بتهمة التجسس والتبعية». تخيلوا، لمجرد معارضتهم الاستفتاء أو حتى موعده.
المثل الرابع في هذه الحملة هو السيد مسرور البارزاني مستشار مجلس أمن إقليم كردستان. لا أدري في أي عالم يعيش وفي أي فضاء يحلق وهو يقول: «لنكون مستقلين وأحراراً علينا أن نتبع أنفسنا، لا يجوز أن نتبَع لأي جهة أخرى». إذا كان الأمر كذلك، لماذا كل هذه الوفود الكردية إلى كل العالم؟! يدري السيد مسرور، وهو في هذا الموقع الأمني السياسي، الوضع الحساس الذي سيجرى فيه الاستفتاء. يدري خطورة أن يجرى الاستفتاء والاستقلال من دون حساب الوضع الإقليمي الضاغط. من دونه سيوضع حلم الكرد العظيم في مهب الرياح وسيلتحق بسلسلة الأحلام المحبطة في المنطقة المحيطة بكردستان. وأنا أفترض أن الإصغاء هو الفن الذي ينبغي أن يجيده رجل يدير جهازاً مهمته الأولى هي الإصغاء. لا يريد السيد مسرور أن يصغي لأي صوت معارض ويوصي طلاب كردستان وهو يخطب فيهم بأن لا يصغوا «في أي شكل من الأشكال لمن هم ضد الاستفتاء». لماذا؟ أنا أعرف أن الاستفتاء يتطلب القلق ويفترض بمن يقر رأيه أن يسمع الطرفين، لكي يوازن قراره، وإلا فلماذا الحملات التي تسبق الاستفتاء؟ لا يريد السيد مسرور لأحد أن يصغي. عليه فقط أن يقبل من دون استئناف لأنه من غير المنطقي في رأيه «أن يطمح أحدهم بمنصب في بلد، ثم يأتي لموعظتنا بكيفية إجراء الاستفتاء». أي أن الطموح بمنصب في بلد آخر يفقد هذا الشخص نقاءه وولاءه لبلده وقوميته.
أريد في النهاية أن أقول أن الاستفتاء هو استفتاء للعقل، وبالتحديد للعقل الكردي الذي تعلم من تجاربه ومآسيه أن يخطو بحذر. يستمع للرأي والرأي المضاد، يقيس الأخطار حوله لكي لا يتحول الحلم إلى كارثة. التردد والتمنع لا يعنيان انتقاصاً من قومية الكردي، بل هما جزء من حسابات الربح والخسارة. لغة التخويف هذه لا تجعل الاستفتاء استفتاء. إنما تضع النتيجة مقدماً وتريد من الكرد أن يقفزوا للفراغ.

عن Abbas Al Salihi

وكالة الابناء العربية الاوربية"أينانيوز"عراقية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتمت باي صلة لاي جهة حزبية او سياسية سواء داخل وخارج العراق هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشرية وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والامن والسلام في العالم وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب وتعزز من الروابط الاجتماعية بين الناس

شاهد أيضاً

النزاهة في العراق الى أين؟

بقلم /حسين الصدر: برزت في العراق الجديد ظاهرةٌ خطيرة، وهي امتناع الكثير من المسؤولين عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *