الرئيسية / المقالات / النزاهة في العراق الى أين؟

النزاهة في العراق الى أين؟

بقلم /حسين الصدر:

برزت في العراق الجديد ظاهرةٌ خطيرة، وهي امتناع الكثير من المسؤولين عن الكشف عن ذممهم المالية، وهم مطمئنون أنَّ محاسبتهم على ذلك ليست بالأمر السهل…!!
ومن الظواهر البارزة في العراق الجديد أيضاً – بروز طبقة جديدة من أصحاب الارقام الفلكية والحسابات المصرفية المذهلة ، ممن كانت تحل عليهم الصدقات، – والسؤال الملح الذي يطرح نفسه، من أين جاءت هذه الأموال ؟ومن أين اكتُسِبَتْ ؟ومن أي طريقٍ وصلتْ اليهم أو وصلوا اليها؟
انها فصول مرعبة من القرصنة والاحتيال واللصوصية ، والتنكر للموازين والقوانين ولا يظنن أحد ان جميع أصحاب المناصب المهمة قد أثروا بشكل لا مشروع ، فهناك النزيهون الذين لم يتلوثوا بشيء من المال الحرام ومنهم رجل تسنم منصباً مهماً، كان بمقدوره ان يستغله لاكتناز المال الوفير ، كتب على بعض صفحات التواصل الاجتماعي يشكو من الاجراءات المعقدة – والمكلفة مالّياً- التي يواجهها الراغبون في الحصول على قرض مصرفي معين بغية تشييد دارٍ لسُكناهم انه متقاعد فعلاً ، وما زال يسكن داراً مستأجرة وهو يسعى جاهداً للخلاص من تلك المشكلة ويقيناً انه ليس الوحيد الذي لا يملك داراً للسكن من بين من تسنموا مناصب مرموقة .
ونُذَّكِر هنا ان سماحة السيد محمد الصدر – رحمه الله –، الزعيم الوطني العراقي الذي ترأس الوزارة عام 1948 وترأس مجلس الأعيان العراقي في معظم دوراته ، لم يكن يملك داراً للسكن وانما كانت داره مستأجرة.وكذلك كان حال المرحوم الدكتور محمد فاضل الجمالي .
ومات الزعيم عبد الكريم قاسم وهو لا يملك داراً .وفي بطون كتب التاريخ والسيرة قصص رائعة لأشخاص تولوا مناصب مهمة وكانوا على درجة عالية من النزاهة تركت لهم ذِكراً متميزاً جميلا..جاء في التاريخ :
ان عمر بن الخطاب (رض) :عيّن سعيد بن عامر الجُمَحي عاملاً على (حمص) .وحين زار حمص سأل أهلها عن الوالي الذي عيّنه ، فاشتكوا منه وكانت حمص تسمى الكوفة الصغرى (الكُوَيْفَة) لكثرة شكاية أهلها من الولاة .قال أهل حمص :نشكو منه أربعاً :لا يخرج الينا حتى يتعالى النهار ،ولا يجيب أحداً بليل ،وله يومٌ في الشهر لا يخرج فيه الينا، ويُغبط الغبطة بين الايام – يعني تأخذه موتةوسأل (عمر) عامله (الجمحي) عما أثير عليه من طعون فقال : جوابا عن الاشكال الاول – وهو عدم الخروج اليهم حتى يتعالى النهار .“ والله إنْ كنتُ لأكره ذِكْرَهُ ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني ثم اجلس حتى يختمر فأخبز خبزي ثم أتوضأ ثم اخرج اليهم “وعن سرّ عدم اجابة أحد بالليل قال :“ كنتُ لأكره ذِكْرَهُ اني جعلتُ النهار لهم وجعلت الليل لله عز وجل “وعن سبب عدم خروجه اليهم يوماً في الشهر قال :“ ليس لي خادم يغسل ثيابي ، ولا لي ثياب أبدلها ،فأجلس حتى تجف ،ثم أدلكها ، ثم أخرجُ اليهم من آخر النهار “وعن الغبطة بين الايام قال :شهدتُ مصرع خبيب الانصاري بمكة ، وقد بضعت قريش لحمه ثم حملوه على جذعه فقالوا :أتحب أنَّ محمداً مكانك ؟ فقال :والله ما أحب أني في أهلي وأنَّ يشك بشوكة ، ثم نادى :يا محمد فما ذكرتُ ذلك اليوم وتركي نصرته في تلك الحال ، وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم ، الاّ ظننت ان الله تعالى لا يغفر لي ذلك الذنب أبدا ، فتصيبني تلك الغبطة “فبعث له عمر (رض) بألف دينار فقال :استعنْ بها على أمرك فقالت أمرأتُه :الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك فقال لها :فهل لك في خير من ذاك ؟نرفعها الى من يأتينا بها أحوج ما نكون اليها قالت :نعم فدعا رجلاً من أهله يثق به فصرّرها صُرَرَاً ثم قال :انطلق بهذه الى أرملة آلفلان ،والى يتيم آل فلان ،والى مسكينِ آل فلان ، والى مبتلى آل فلان ،فبقيت منها ذهبية فقال :انفقي هذه ، ثم عاد الى عمله ، فقالت :ألا تشتري خادماً ؟ما فعل ذلك المال ؟قال :سيأتيك أحوج ما تكونين إليه “تاريخ دمشق الكبير / ابن عساكر / ج23 / ص115
أقول :اذا كان هذا اللون العالي من الزهد والنزاهة – في الراهن المعاصر – صعب الحصول ، فان الاكتفاء بالراتب الشهري الضخم، والمخصصات الكبيرة، لا يقترن باية صعوبة، فلماذا التجاوز على المال العام ، والالتذاذ بالحرام ، بعيداً عن كل ما تقتضيه الموازين والقوانين ؟وللاسف الشديد :فانَّ اصحاب النزاهة العالية هم المهمشون المُعبدون ، وأصحاب الشره والجشع، هم المتغلغلون هنا وهناك، ولا حول ولا قوة الاّ بالله العلي العظيم.

عن Abbas Al Salihi

وكالة الابناء العربية الاوربية"أينانيوز"عراقية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتمت باي صلة لاي جهة حزبية او سياسية سواء داخل وخارج العراق هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشرية وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والامن والسلام في العالم وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب وتعزز من الروابط الاجتماعية بين الناس

شاهد أيضاً

العراق…ما الذي يجري وما هو المطلوب ؟

بقلم/صالح مختار /اثار الاستفتاء في اربيل موجة قوية من ردود الافعال والتساؤلات لان الحدث كما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *