الرئيسية / تقارير و حوارات / سياسة وقوانين بلدان العالم تجعل حياة العلماء في المهجر أكثر قسوة من بلدهم الأم

سياسة وقوانين بلدان العالم تجعل حياة العلماء في المهجر أكثر قسوة من بلدهم الأم

بغداد/ إينا نيوز/ عادل فاخر/ هجرة العقول العراقية طوال سنوات الحرب، أكبر خسارة تعاني منها البلاد، اذ انها تقلّص من أسهم التحاقه بركب العالم المتقدم، وتعرقل مجمل مساعي التطوّر والازدهار، حيث يعاني الكثير من العلماء والمفكرين والباحثين العراقيين في المهجر، من إهمال واضح في الدول التي لجأوا إليها، بسبب سياسات وقوانين تلك البلاد، بعدما عانوا في بلدهم الأم من غياب الأمن والقوانين الخاصة بحمايتهم والإستفادة من خبراتهم العلمية.

وفيما تهتم منظمات دولية بشؤون العلماء المهاجرين أو اللاجئين وتبحث عن حلول للإستفادة من خبراتهم في البلدان المستضيفة، يعتبر خبراء إن الهجرة إحتجاج على اللامساواة، مثلما هي إحتجاج على إنعدام شرط حماية الحياة والممتلكات.

المنظمات المهتمة ترى حركة العلماء المدفوعة بالنزاع شكلت ظاهرة مستمرة وليست مؤقتة ولا طارئة ولابد من تكاتف الجهود للتعامل معها.

هجرة العقول العراقية مرت بمراحل

يقول وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي الأسبق الدكتور طاهر البكاء إن”هجرة العقول والكفاءات من العراق مرت بمراحل، حيث ينقسم المهاجرون منهم إلى أصناف، المرحلة الأولى كانت عندما كان العراق مستقرا إلى حد ما، هاجر خلالها عدد غير قليل من الكفاءات، إما طلباً لمناخ أفضل للبحث العلمي من حيث وفرة المصادر وأجهزة البحث، حيث تدفعهم روحهم التواقة للتقدم والاستزادة العلمية، وهؤلاء قلة، اما بهدف الحصول على فرص عمل أفضل في أجواء مريحة أكثر، لافتا إلى ان هذه المرحلة تراجعت في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، عندما أصدر العراق قانون عودة الكفاءات، ومنحهم إمتيازات مجزية”.

وأضاف البكاء المقيم في واشنطن لـ(إينا نيوز)، إن”المرحلة الثانية بدأت مع إستمرار الحرب العراقية الإيرانية وتصاعدت بشكل حاد جراء الحصار الجائر الذي فرض على العراق ١٩٩٠- ٢٠٠٣، اذ غادر آلاف من الاستاذة بطرق شتى، أغلبهم طلباً لرزق عوائلهم، بعد ان أصبح راتب الأستاذ الجامعي لا يكفيه لبضعة أيام، اما المرحلة الثالثة جائت في أعقاب الغزو الامريكي للعراق عام 2003، إذ هاجر من الأكاديميين والباحثين أغلب من شملهم قرار مايعرف بـ(إجتثاث البعث) والذي سمي لاحقا (المساءلة والعدالة)، فيما إلتحق بهم العديد من الأساتذة نتيجة الإنفلات الأمني وماصاحبه من إغتيالات وتفجيرات مازالت مستمرة حتى الآن في العراق”.

منظمات دولية تعنى بشأن العقول المهاجرة

وحول معاناة العلماء المهاجرين بسبب ظروف بلادهم الأمنية وغياب حقوقهم، إنعقد اجتماع في تريسيتي بإيطاليا في آيار/ مايو الماضي، نظّمته بالتعاون ثلاث مؤسسات دوليّة، هي ” الأكاديميّة العالميّة للعلوم، والمعهد الوطني لعلوم المحيطات والجيوفيزياء التجريبية‘ في إيطاليا، وهي الجهة المضيفة، وجامعة أوروبا- البحر المتوسط، في سلوفينيا، كما تولى التنسيق فيما بينهم مكتب دبلوماسيّة العلوم.

وقد جمع الاجتماع أكثر من 50 مشاركًا من 12 دولة، وضم صانعي السياسات، وممثلي مؤسسات علمية وتعليمية، ووكالات لاجئين، وعددًا من العلماء اللاجئين، موليًا اهتمامًا خاصًّا للاجئين من سوريا واليمن والعراق وأفغانستان وليبيا.
وأكد المشاركون أن العلماء اللاجئين لا يستغلون مهاراتهم، فهم إما متعطلون، محرومون من فرص العمل التي تتناسب ومؤهلاتهم، أو في وظائف متدنية المهارات “مؤقتة أو منخفضة الأجر”.

وخرجت توصيات الاجتماع لإدارة هذه الأزمة الضخمة، على حد وصف المشاركين في تقرير صدر نهاية مايو الماضي، داعيةً إلى إيجاد برامج تعليميّة وبرامج توظيف وغيرها من المبادرات التي من شأنها دعم الإدماج الاجتماعي والمهني للاجئين من العلماء.

علماء في خطر

ويرى البكاء في هذا الصدد إن منظمة (علماء في خطر) الامريكية إستطاعت أن تستقطب إعدادا كبيرة من الأساتذة الذين شقوا طريقهم في الجامعات الامريكية، وأصبحوا جزءً منها، وهؤلاء يصعب رجوعهم إلى بلدانهم، لكن يمكن الإستفادة منهم علمياً، اذا ما تم التعاون معهم من قبل الجامعات العراقية، وهذا يشمل كل كفاءة وجدت لها فرصة في البلدان المتقدمة”.

غياب حق الإقامة في المهجر أكبر المشاكل

وإشار البكاء إلى أن المشكلة الأكبر التي يواجهها العلماء المهاجرين أو اللاجئين ممن هاجروا إلى بلدان لاتعطي حق الإقامة الدائمة لتلك الكفاءات، خاصة البلدان العربية والإسلامية والاسيوية، فعندها يصبح الأستاذ شأنه مثل عامل البناء والنظافة مهدد بالطرد في أي لحظة أو اذا بلغ سن التقاعد، ومثل هذا يعيش في حيرة وحسرة وعدم إستقرار”.

وعن المبادرات الحالية إذ كانت كافية وتدار بشكل مناسب في الدول المستضيفة أم أن هناك مبادرات وطرق أنسب لاستغلال تلك الكفاءات في الدول المستضيفة، قال البكاء إن”كل المبادرات الدولية هي مفيدة وحالة إيجابية، ولابد من تقديم الشكر للقائمين عليها، دولاً ومنظمات وافراداً، إلا أن الحل الأمثل يكمن في إستقرار العراق، وهذا أمر قد يطول، فضلا عن ضرورة تفعيل قانون الكفاءات السابق، او إصدار قانوناً جديداً مشابهاً، وكذلك توفير ظروف علمية وبحثية مناسبة في الجامعات العراقية”.

الهجرة إحتجاج على اللامساواة

أستاذ علم الإجتماع السياسي في جامعة لندن الدكتور فالح عبد الجبار يرى إن”الهجرة إحتجاج على اللامساواة، مثلما هي إحتجاج على إنعدام شرط حماية الحياة والممتلكات، وايضاً إنعدام حق ممارسة حرية الضمير وحرية العبادة في ظروف إنهيار الدولة او تمزقها”.

وقال عبد الجبار وهو مدير معهد دراسات عراقية ((Iraq Studies) في بيروت، وأربيل في كردستان العراق، ومقيم في لندن لـ(إينا نيوز)، إن”الإطار الأكبر هو بالطبع يكمن في حل النزاع وتأمين حكم القانون والحريات المدنية وإصلاح قطاعات الأمن”.

وأضاف عبد الجبار إن”الحل لمشكلة هجرة العقول أو لجوئهم إلى خارج بلدانهم يجب أن يكون محلي أولا ومن ثم إقليمي ودولي، والسبب هو أن كل مشاكل المنطقة في حالة تدويل، وللأمم المتحدة دور فيها”.

وعن ماهو مطلوب من هذه الهيئات وماهو مطلوب أيضا من العلماء اللاجئين أو المهاجرين أنفسهم، يرى عبد الجبار إن”الحل الاستراتيجي هو حل النزاع وإرساء دولة القانون، لكن هذا قد يستغرق حياة جيل كامل، وفي غضون ذلك يمكن وضع برامج آنية ومتوسطة لإستيعاب العلماء والأكاديميين المهددين، في برامج عند الدول المجاورة وتمول عالميا، ومن هذه الدول الإمارات والكويت والأردن ومصر بل حتى لبنان، ولعل إستضافة العلماء والأكاديميين المهددين في مؤسسات هذه البلدان بديلا عن الهجرة النهائية لدول الغرب، وبوسع الأكاديميين والباحثين المساعدة عن طريق تنظيم صفوفهم في جمعيات مهنية للدفاع عن حقوقهم وإصدار نشرة معلومات عن أوضاعهم والتعامل مع الهيئات العالمية والدولية”.

لامبادرات الآن سوى معالجة طلبات اللجوء

وحول المبادرات الحالية إذ كانت كافية وتدار بشكل مناسب في الدول المستضيفة أم أن هناك مبادرات وطرق أنسب لاستغلال تلك الكفاءات في الدول المستضيفة، قال عبد الجبار أن”لامبادرات حاليا سوى معالجة طلبات اللجوء”.

العراق الأول من حيث هجرة العقول

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية البرفسور قاسم حسين صالح، قال إن العراق يعد البلد الأول في العالم من حيث نسبة عدد العقول المهاجرة الى الخارح، حيث تشير الإحصائيات الأخيرة الى ان 7350 عالما هاجروا بين عامي 1991– 1998 بينهم 67% أساتذة الجامعات و23% من الباحثين العلميين.

وإستشهد صالح في تصريح سابق لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير في آذار/ مارس 2003 أكد فيه إن عدد العراقيين في بريطانيا 350 الفا، بينهم ما لايقل عن خمسة وعشرين الف عقل علمي والفي طبيب.

وأضاف صالح لـ(إينا نيوز) “اذا كانت أسباب هجرة الكفاءات في تسعينيات القرن الماضي اقتصادية خالصة بسبب الحصار، فان أسبابها كانت أمنية بعد الإطاحة بالنظام السابق، وتحديدا بعد شيوع العنف عام ،2006 الذي وصل فيه عدد الذين إغتيلوا 185 أستاذا جامعيا و 720 طبيبا بين قتيل وجريح، نجم عنها تضاعف أعداد المهاجرين من العلماء والمبدعين في مجالات المعرفة المتعددة”.

وأوضح “لدينا من الإحصاءات عن عدد العلماء والأكاديميين والمفكرين والمبدعين في دول العالم، مايجعلنا على يقين بأنهم لو عاد نصفهم إلى العراق الآن، لخلقوا منه جنة، مشيرا إلى أنه وكنت اقترح فيما مضى ان يعطوهم محافظة ميسان لمدة خمسة أعوام فسيجعلوا منها جنة يودعون السجن مدى الحياة”.

وأكد أنه كان احد الذين عملوا على تطبيق قانون الكفاءات الذي صدر في سبعينيات القرن الماضي، وقد عاد فعلا الى العراق الآف العقول، ومنحوا امتيازات بينها بيوت سكنية في منطقة داخل بغداد باسم (حي الكفاءات)، ولم يبقوا سوى سنتين رغم تلك الإغراءات المادية، لأن عقل العالم يحتاج الى حرية التفكير والتعبير والأجواء التي تشعره بالاحترام والتقدير، ولأنهم لم يجدوها فقد عادوا من حيث أتوا”.

وأردف قائلا “مع ان الاجراء السريع لوقف هجرة الكفاءات العراقية يكون بإزالة الأسباب التي تضطرها للهجرة، غير ممكن بوجود نظام حكم قائم على المحاصصة السياسية، فان الأمر يتطلب البدء باتخاذ عدد من الاجراءات تبدأ بعقد مؤتمرات لأصحاب الكفاءات العراقية المهاجرة تنبثق عنها لجان تخصصية تضع إستراتيجية لعودتهم، فضلا عن تشكيل دائرة خاصة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي باسم (الكفاءات المهاجرة)، شرط أن تكون من أساتذة لديهم خبرة ومستقلين سياسيا، وتأمين التعامل معهم بعيدا عن التمييز السياسي والقومي والديني والطائفي”.

وأكد صالح على ان علينا الآن أن نستفيد من تجارب عالمية ومن بلدان آسيوية لاسيما تجربة سنغافورة وتايوان، اللتان إستقطبتا عقول مهاجريها بتشجيعه على تأسيس شركات تقنية متطورة ودعمه ماديا، وقد نجحت في السيطرة على أسواق عالمية بعقول مهاجريها الذين كانوا يعيشون في الغرب،.سيما وان العراق يمتلك ثروات أغنى بكثير ويتمتع بموقع إستراتيجي عالمي”.

حلول تساهم في إستقطاب الكفاءات

وفي مقال سابق كتبه رئيس شبكة العلماء العراقيين فـي الخارج الدكتور محمد الربيعي، جاء فيه إن “ما نصبو إليه هو ان يتم العمل على تعزيز الجوانب التنظيمية والإدارية للزيارات العلمية على مستوى الوزارات والجامعات لتحسين النشاط التدريبي والاستشاري والبحثي وتعزيز فاعليته، وبحيث يصبح دعوة العلماء عملا مستمرا لكل وزارة ولكل جامعة”.

لذلك “يتوجب العمل وبسرعة لكي لا يستمر النزف هو ان تقوم الدولة والوزارات المختلفة بوضع الإجراءات الضرورية وخلق الآليات العملية وتخصيص الأموال اللازمة لزيادة ميزانيات البحث والتطوير وبوضع التعليمات التي تؤدي إلى تشجيع وتسهيل الدعوات لعلماء وكفاءات الخارج بزيارة الوطن والمشاركة في بناءه. كما يتطلب اخذ الإجراءات التي من شأنها ان تشجع كل كفاءة خارجية بالاتصال بجامعة او بمعهد تدريب او تطوير او بوزارة لإعلامها بوجوده وبرغبته لتقديم خبرته حتى ولو كانت على صورة محاضرة قصيرة او اجتماع قصير.

الآثار الإقتصادية الناتجة عن هجرة العلماء

الخبير الإقتصادي ملاذ الأمين يؤكد أن” العراق يمتلك كفاءات واسعة ومتعددة الاختصاصات كون التعليم والدراسات العليا بدأت منذ عشرينات القرن الماضي وإرتبطت بارقى الجامعات العالمية، لذا فقد تخرجت من الجامعات العراقية أفواج من الأطباء والمهندسين والعلماء في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك والعلوم الانسانية، حيث إحتضنتهم الدولة ومنحتهم فرص الإرتقاء بتخصصهم والإستفادة منهم لتعليم الأجيال اللاحقة”.

وأضاف الأمين لـ(إينا نيوز)، إن”وجود العلماء خارج العراق أسهم في علاج الأمراض المستعصية، وكذلك كانت بغداد قبلة لدول الخليج للتزود بالعلم والصناعة والعلاج والاكتشافات الزراعية، الآن لم تحظ هذه العقول والكفاءات بالرعاية اللازمة خصوصا الأمنية، فبات مصيرها مهددا، فترك أغلبهم العمل وهاجر القسم الآخر، وبذلك خسر العراق كفاءاته ويضطر الآن من يرغب بالعلاج السفر الى الخارج منفقا أموال كثيرة فيما كان سابقا يتلقى العلاج في بلده دون تكلفة، الأمر ذاته ينطبق على الصناعة والزراعة اللتان تدهورت أوضاعهما في ظل غياب الخبرات التي كانت تخطط وتعمل على التطور ومواكبة التقدم العلمي ونهضة البلاد”.

إستنزاف للثروات الوطنية

الأستاذ في كلية التربية للبنات/ بغداد أحمد صباح مرضي يرى أن بلدان العالم تقاس فيما يخص مستوى تقدمها وتحضرها بعدد كفاءاتها العلمية ومبدعيها وبمنجزات علمائها وبنفس الوقت فان هذا الشريحة من المجتمع فيما لو تم إستثمارها تكون مصدر ثروة هائل للخبرات والعملات الصعبة، إلا أن ظاهرة هجرة الكفاءات والمبدعين إلى الخارج تحولت إلى أزمة حقيقية ومن أهم المشكلات التنموية التي تواجه العراق، لما له من تأثير على التركيب السكاني والقوى البشرية واستنزاف لثروات البلد اللازمة لتحقيق التنمية.

عن Al Salihi

وكالة الأخبار العربية الأوروبية "أينانيوز" وكالة إخبارية بنكهة عربية اصيلة لاتمثل ولاتنتمي لأي جهة حزبية اوحركة سياسية سواء داخل العراق أو خارجـه هدفها نقل الحقائق كما هي دون تزييف او رتوش تنبذ العنصرية والطائفية والاستغلال البشري وتعمل على نشر مفاهيم المحبة والسلام بين الناس وتحترم خاصية كل الاديان والطوائف والمذاهب والاثنيات

شاهد أيضاً

دعوات استحداث إقليم البصرة تعود من جديد وبآلية مغايرة

بغداد/ اينا نيوز/ عادل المختار/ تصاعدت في الآونة الأخيرة الدعوات الشعبية والسياسية إلى استحداث إقليم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *